الأحد، 9 فبراير، 2014

أجيال ارترية

مازال منظرهم يأسرني صباحا، مساءا وحين تتقاطع الطرقات بنا فأراهم
أراهم شموخ يسير على الأرض، موسوعة من التاريخ الجميل الذي اشتاق إلى أن انهل منه.  يمر أمامي هكذا خيالا سارحا.. مازلت مشدوها بأبي وبعمي وبخالاي رحمهم الله، وبوالد صديقي وبأعمامه وأهلها وبكل ارتري كبير في السن يمر من أمامي ويصلي في المسجد بجواري. وفي المناسبات حين أراهم في التجمعات وقد علتهم الابتسامات وتعطر سمائهم ذكريات وحديث عن تراب الوطن الممزوج زعفران وحبا لا ينتهي، اعلم جيدا حينها أن لعشقي سببا وانتباهي المفرط لهم حدث لا يحتاج الاستغراب.. فهم تاريخ غني عن وطني المفقود يمشي في الأرض..
 علمتني حياتي القصيرة هذه أن المكنون الارتري في خطر أن ظل جيلنا هذا يسير كما أرى.. فالأجيال باتت في مساحات متباعدة عن بعضها، وأصبحت حجم الهواة عميقة بين جيلنا وجيل الأوائل من الآباء وجيل في الطريق يأتي لا محالة سيختفي من الطريق الارتري إن ظللنا نسير هكذا
فالأوائل أرواح عاشت الوطن وعافرت ترابه.. تجد في وجوههم وعلى ملامح شخصيتهم ذاك اللون الارتري الجميل بعيدا عن مسمى العنصرية، لا يكاد الرجل منهم والمرأة أن يتعامل مع الآخرين من الارتريين تحت مسميات خُلقت هنا في هذه الديار.. ولا تكاد تجد شي من التعصب الذي اعنيه في شوارع العامة منهم.. إلا في قله لعلهم يوارون الستار للممارسة ما يريدون ممارسته
....
حديثهم عن الماضي صريح فيما بينهم، اعتراف ضمني بالخطأ والصواب لكل فواصل التاريخ الذي مضى بنكساته وحسناته.. ولا ضير إن أبرزت أنا جانب أمتي المشرق وأخفيت المظلم منه.. لا ضير إن قلت خيرا في قبيلتي وأخفيت عيبا قد بدر منها في مرحلة حرب أو شدة، لا ضير حتى إن عملنا على طمس العيب و العمل على إبراز الجمال والدعوة إليه في مجتمع القبلي.. العيب هو أن نقتص من الأخر.. من مكونات الشعب الأخرى على حساب أن اخفي شيئا في نفس يعقوب.. وان تحيا بداخلنا عنصرية والله ما شهدتها شخصيا إلا في العقل الجمعي الارتري.. ذلك العقل وتلك النظرية التي تقول أن الفرد يكتسب صفات المجموعة وتختفي شخصيته الحقيقة حينها.. حين الاندماج الذي من أول دعواته العنصرية القبيلة في وطن لا يتجاوز عدد سكانه أربعة ملايين في اخر إحصائية رسمية.. نصفه مغيب عن عالم التواصل الاجتماعي ونصف اخر باقي في ظل هذه الحياة يمارس الجهد ليؤمن قوت اليوم.. فنجد أنفسنا حقيقة قلة من يهيمون في هذا الفلك.. فلك المواقع الاجتماعية.. والكثير الذي يدعو لنبذ الفرقة والبعض الذي يدعو لها
..
نحن جيلُ بات الأن على مرام حجر من التاريخ.. ناهيك عن من يرضع التاريخ الأن من الأوائل.. فما نأخذه الأن نأخذه مقننا جاهز مفصلا حسب الطلب..وحسب الحاجة . ولعلنا نأخذ تاريخ يناسب حاجتنا إليه فقط.. دون إبراز حقائق أو اثبت حق الآخرين فيه.. لهذا الأجدر أن امتلك الحقيقة كلها واترك لي حرية ما اساقوم به لتجويد ما يجب
..
نحن جيلُ في أول تواصل لنا مع الأخر تحضرنا الاستفهامات .. لماذا؟... وهل يقصد!؟.. وربما يكون.. لا نحسن الظن إلا القلة في شكل العلاقة.. حتى نتيقن منها
نحن جيلا مبدأ العمل الاجتماعي لدينا في مأزق.. و إن كان على نحو قبلي فهو مأمون الجانب مرحب به أم غير ذلك. فذاك خطر مشكوك فيه يحتاج إلى حذر
..
نحن جيلُ يتسأل كثيرا عن الوطن ولا يقدم له شي سواء بضع كلمات ولعلها همهمة  تقدم خدمة منا له.. وليس فرضا 
عين حتى يغدو فرض كفاية
..
نحن جيل يشك في بعضه ذكرانا وإناث.. لم ألاحظ على أمي يوم أن قالت من الغريب هذا الارتري وماذا يريد لسوال حين لقائه في الطرق في مركبة أجرة او في محل نشتري منه.. لم ألاحظ على والدي يوما والذي افني قرابة الثلاثين عاما في حقل مركبات الأجرة أن قال تلك ارترية من قبيلة كذا تسال وتتصل علي لماذا و ما قصدها.. ولم أجد من والد صديقي يوما بان هذه العائلة الارترية التي تسكن العمارة معهم مالنا وشانهم رغم يُتم الأبناء وترمل الزوجة.. وجدت العبارة هنا في العمارة معنا ارتريون أهلا لنا
لكن الأن.. انظر ولك الخيار في التحليل.. في المركبات إن اتضح بان السائق شاب ارتري إلا من رحم ربك يحسنون الظن به.. وفي أماكن العمل.. لا يا شيخه هذا ارتري فكينا يا شيخه من شره ويعامل غيره أفضل منه.. والشاب الارتري إن وجد ارتريه في العمل معه.لا يفتر يحدث أصدقائه بما رآه من شي قد بدر منها ولا يسترها.. ولعل في بعض المواقف يكون هو العدو الذي نحتاج الحذر منه. وهذه قاعدة في الكثير لوحظت وقد يكون هناك الخير ايضا منها اهلا وإن لم يجمعهم نسب
نحن جيلُ ندعي الكمال في الفهم والعلاقة.. نكتفي بأول جملة من نصائح الكبار لنا وننطلق.. لا نكترث بتراثنا ، ولا نتمسك بعاداتنا فنظرية الوطن المفقود هذه و الأسرة الكادحة التي لا وقت لها لتوجيه الأبناء لتمسك بالموروث ساعدت على الخروج من دائرة العرف الارتري لعرف المجتمعات الأخرى التي ما كانت تشاهد في طفولتنا حين كنا صغارا
وختاما نحن جيل يعول علينا الكثير..  الكثير من الآباء يرونا أننا الحلم الذي قد يساعدهم على معافرة أرجلهم تراب الوطن.. ولا اعني دعوة حرب أكثر منها دعوة للقيام بنهضة اجتماعية تعمل على رتق كل فجوات نسيج مجتمعنا الارتري الذي بات مكشوف في نظري.. والأمل ببناء وطن يحملنا للعيش كرماء في ظل أوطان لاتريدنا فيها
.
.
.
دمتم بخير