الأحد، 5 يناير، 2014

المثقف الارتري المهزوم

مقال نقلته كما هو دون احداث شي فيه من موقع "أومال" الارتري.. مقال يلامس بعض الجراح التي بدات بالتدمل في الجسد.. 
لماذا المثقف المسلم مهزوم في ارتريا .. بخلاف المسيحي ؟
 الحسين علي كرار
رمضان كريم وكل عام وأنتم بخير , وأترحم في هذا الشهر الكريم علي روح المناضل ادم صالح شيدلي الذي وافته المنية في القاهرة في هذا الشهر الكريم وأدعو الله أن يدخله واسع جناته ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان .
 كما أود التوضيح أن مثل هذا التوصيف المسلم والمسيحي قد لا يكون مقبولا وقد يراه البعض مستفزا ولكن أتناول الموضوع  كحقيقة واقعة يتبرأ منها الجميع ويمارسها الجميع ، فالمعارضة منشقة فهي إسلامية ومسيحية حتى مواقع الانترنيت كل له مواقعه في عالمه الخاص به ، وأديس أبابا هي عاصمة المكاشفة والمقاربة والحوار بينهم ، أما النظام لا يحتاج لا إلي مقاربة ولا إلي حوار وإنما يقوم فعليا بتصفية ومحو الحضارة الإسلامية واللغة العربية  في ارتريا ولهذا لا حرج ولا استفزاز في ذلك .
  الدكتور جلال الدين محمد صالح في مقاله .. المثقف الارتري المسلم ومجتمعه أيهما أزمة الآخر .. قارن بين المثقف المسلم والمسيحي وقال أن المثقف المسلم   (لا يقود ولا ينقاد) بينما المسيحي ينقاد بسلاسة – وهنا استدل بالفقرة فقط بعيدا عن النقاش الذي دار بين الأستاذين جلال الدين وعمر جابر – وما ذهب إليه الدكتور جلال الدين صحيح ، وهذه حقيقة ثابتة ، لأن المثقفين المسيحيين  يختلفون في عقد السلطة ، ولا يختلفون  في عقد الطائفة ، فهم يتفقون جميعا ولا يقبلون المساومة في أحقية الطائفة لاحتكار السلطة والهيمنة وسيادة هويتها علي المسلمين ،  عكس المسلمين الذين لا يتفقون لا في عقد السلطة ولا في عقد الطائفة  ويعود السبب في ذلك أن المثقف المسلم أصبح ليس له هدف ثقافي وهوية يدافع عنهما ، وليست له قضية محددة يريد كسبها ، وليست له رؤيا واضحة ينطلق منها ، بينما المثقف المسيحي له هدف ثقافي محدد يدافع عنه ويفرضه ، وقضية محددة يريد كسبها ، ورؤيا واضحة ينطلق منها ، لأنه لا يعاني أزمة الهوية التي يعاني منها المثقف المسلم ، ويعرف ماذا يريد ،  ولهذا حتى المثقفين المسيحيين في المعارضة مطالبهم محصورة في إزالة دكتاتورية النظام وإقامة نظام حكم ديمقراطي يسودون في ظله ، فإذا خسروا السيادة في ظل النظام القادم ، فأكثريتهم تفضل بقاء النظام الدكتاتوري الطائفي  القائم ، ولهذا يجبرون المثقف المسلم  بالتنازل عن مطالبه علي الدوام مع أنهم يمتلكون القوة ، وذلك للحفاظ علي الوحدة الوطنية التي لا تعنيهم ، وعليه دائما يؤجل المسلمون مظالمهم للمستقبل ويصارعون في المجهول ، وفي نظريا ت القتال  يقول العسكريون أن الجيش المنتصر دائما هو الذي يقاتل من أجل قضية محددة  وهدف محدد وأن الجيش الذي يقاتل بلا هدف وبلا قضية دائما هو المهزوم  ، إن ضعف المسلمين اليوم بالدرجة الأولى ناتج عن تعدد فصائلهم لتعدد مصالحهم واختلاف مبادئهم ومفاهيمهم وعقائدهم الفكرية ، وإذا قارنا بين المثقف المسلم في أربعينات القرن الماضي وبين المثقف المسلم اليوم من جهة ،  وبين المثقف المسيحي من جهة أخري ، سنجد فارقا كبيرا ، أولا سنجد أن المثقف المسيحي مواقفه ثابتة لم تتغير منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا ، بينما نجد ثانيا تغيرت وتبدلت مواقف المثقف المسلم لنفس هذه الفترة الزمنية  ، المسيحيون موقفهم من اللغة العربية هو الرفض التام حتى في مناطق المسلمين فما بالك في مناطقهم وهذا منذ الأربعينات ، أما  المثقف المسلم في الأربعينات كان جادا وله رؤيا مستقبلية عميقة وواضحة وكان له هدف ، فاشترط إما أن يقبلوا  اللغة العربية وإما أن يفعلوا ما يريدون ، فتدخلت أثيوبيا وكنائسها لتجبرهم لقبول اللغة العربية ، واشترط القسيس ديميطروس لقبولها أن توضع فقرة اللهجات في مادة اللغات الرسمية في الدستور لحماية الأقليات المسيحية داخل المجتمع غير التجرينياوي ، فقبلها المسلمون ، ولكن أقرب مثال في عدم جدية المثقف المسلم اليوم  للدفاع عن اللغة العربية  مؤتمر أواسا ، إذ انقلب الأمر ، فنجد من دافع وتمسك بفقرة اللهجات المنطوقة وغير المكتوبة ورفعها إلى درجات اللغات المكتوبة هم المسلمون أنفسهم تاركين اللغة العربية تعصف بها الرياح ، وأصبح  التجرينية الذين أتوا بمشروع اللهجات لإبعاد العربية  وشطبها ، يتفرجون على المسلمين وهم يتقاتلون لإثبات لهجاتهم  وإضعاف العربية بالمزاحمة ، من هنا يتضح كيف تأثر المسلمون بعملية غسيل الأدمغة التي مورست ضدهم ، إن أباء نا كانت توحدهم العقيدة الإسلامية ولا شيء سواها  رغم مصالحهم المتفرقة ، وكانت العربية بالنسبة لهم هي الهوية والثقافة ، وحددوا هوية الدولة الارترية بالثقافتين وليس سواهما ، ولكن المثقف المسلم اليوم أصبح يبحث عن هويته كما وضعها له التجرينية في قوميته ومصلحته الإقليمية والمناطقية ، كان الآباء في حالة اتصال بمجتمعهم المسلم ، بينما المثقف المسلم اليوم في حالة انفصال عن مجتمعه عكس المثقف المسيحي الذي هو على صلة بمجتمعه ولم ينفصل عن امتداده الطبيعي أبدا ، المثقف المسلم يعمم ويقارب بينما المثقف المسيحي يخصص ويباعد متى انتفت مصلحته ، المثقف المسلم متمسك برسالة حامد إدريس عواتي تحرير كامل التراب الارتري التي تعمم ، ولكنه لم يستطع تثبيتها وتخلف عنها بعدم المواكبة ، وحلت مكانها رسالة أفورقي التي تخصص والقائمة على التمييز والطائفية وتقديم الذات وهي السائدة والقائدة والحاكمة ، اختلفت هموم المسلمين ومفاهيمهم وأصبحت غير موحدة وأصبح الاستقطاب بينهم مناطقي ومصلحي وليس ديني ، المسلمون عندما وحدتهم العقيدة أنجزوا ولكن اليوم فشلوا عندما فرقتهم السياسة بلا عقيدة ، المفتي إبراهيم المختار كان شجاعا ذو بأس شديد  للدفاع عن المسلمين واللغة العربية وكان رمزا يقودهم بعقيدته بلا خوف ، ولكن ابنه كبير القضاة وخطيب جامع الخلفاء الراشدين وخريج الأزهر ،  أين يقف اليوم هل في خندق والده  ، ويتمسك بقول الحق ، ويدافع عن المسلمين ولا يخاف الظالم المتجبر ويدافع عن اللغة العربية ، إن  الواقع المر أنه  خارج خندق والده  وتبدلت مواقفه ويقف مع ابن القسيس ديميطروس الذي لم تتبدل مواقفه عن مواقف والده القسيس، وهما يقفان معا كرجال دين في صف النظام الدكتاتوري المسيحي ومعهم مفتي الديار الارترية ، ملبين طواعية أوامره  ومجيزين تنفيذ سياسته على المسلمين ، وهو ضياع الصواب وفقدان البوصلة في قمة دائرة التمثيل الإسلامي ، ولذا نجد المسلم وضع الضماد في غير موضعه الصحيح وبالتالي تعفنت ساحته بالصديد والدمامل ، بينما المثقف المسيحي وضع ضماده في موقعه الصحيح سواء كان مواليا للنظام أو معارضا ، لهذا يفرض شروطه وإملاءاته وهويته وثقافته على المسلمين ، إن ارتريا دولة الحضارتين ، الحبشية المسيحية ، والعربية الإسلامية ، دولة بثقافتين ثقافة التجرنية المسيحية التي لا تختلف عن تراث عامة الدولة الحبشية (أثيوبيا)  وبالتالي يتطلعون إلى أثيوبيا والعالم الغربي سندهم الخلفي ، والطرف الآخر من مواطنيها هو ذو ثقافة إسلامية  لا يختلف عن التراث الإسلامي العام ، وهو يتطلع إلى العالم الإسلامي المغلوب على أمره ليسندهم ، ولكن دون جدوى ، و إذا قارنا الوضع الارتري سنجد إن أقرب صورة له هي دولة قبرص ذو الثقافتين والطائفتين المسيحية والإسلامية  ، المسيحية المدعومة من اليونان والغرب والإسلامية المدعومة من تركية التي حرمت بسببها من اكتساب عضوية الاتحاد الأوروبي بالفيتو اليوناني والقبرصي زائد الفرنسي ،وهي طائفة مرجوح عليها مثل الطائفة الإسلامية  الارترية ، الطائفة المسيحية الارترية مدعومة من أثيوبيا بحكم علاقة التاريخ و من الغرب المسيحي ولكن الطائفة الإسلامية لا داعم لها الا الله سبحانه وتعالى ، والسودان جارها الإسلامي كان من المفترض أن يدعمها ، ولكنه ضعيف ومغلوب على أمره ومصالحه وكثرت المؤامرات عليه ، وهو ليس بقوة تركيا ، ولهذا لجأت المعارضة الإسلامية الارترية التي سدت الأبواب أمامها إلى أثيوبيا التي كانت الخصم بالأمس وأصبحت اليوم الصديق والحكم والمعين على رفع الظلم والاضطهاد الواقع عليهم من الشيفونية الوطنية المسيحية المتعصبة  ، و أثيوبيا المسيحية لها مصالحها ولا تعتبر نظام أفورقي إلا نظاما شموليا وتخفف من جانبه الطائفي ، لأن هذا يشملها كدولة لا تقبل فيها الا سيادة العقيدة المسيحية  ، ولا تريد خسارة المسيحيين في ارتريا وهم يدها اليمني لحماية مصالحها  ،  إن المواقف أجبرت المسلمين أن يحموا أنفسهم بطلب المساعدة من أثيوبيا  وهي مفارقات القدر والمصالح المتغيرة ، فأثيوبيا اليوم هي ليست أثيوبيا الأمس في تعصبها ، ويسودها قدر من التسامح ، وهي التي تعترف بالدولة الارترية التي كانت تراها إقليما من أقاليمها ، ولكن الدولة الارترية التي خاض شعبها النضال من أجل الحرية هي المتخلفة والمتمسكة بالمسيحية المتزمتة  وتطارد المسلمين في أرضهم وعرضهم وثقافتهم  ، بعض المسلمين ناقمون من التعامل مع أثيوبيا و يرون أن مواقفها لا تقدم ولا تؤخر  وتتدخل في شئونهم ، ولكن ما ذا يريدون من أثيوبيا ؟هل يريدون أن تتدخل بجيوشها الجرارة وتسقط لهم النظام ؟ هل يريدون أن تزودهم بالأسلحة وهم العاجزون ، ولم يستطيعوا أن يوحدوا أنفسهم ، ويوجدوا حتى موقعا داخل الأراضي الارترية لينطلقوا منه ، بسبب ضعفهم وشدة القبضة الحديدة والملاحقة القوية لهم من قبل النظام ؟ لنا أن نسأل لماذا يتدخل الأثيوبيون في شئون المعارضة ، والإجابة هل توجد في العالم المساعدات البريئة ؟ وهل لدي هؤلاء الرافضون  الإمكانات الذاتية ؟ و ما هي الحلول والبدائل التي يقدمونها ؟ هل كرها للمساعدات الأثيوبية ترفع راية الاستسلام للنظام الطائفي الدكتاتوري ؟ ولنا أن نسأل مرة ثانية لماذا يتدخل الأثيوبيون في شئون المعارضة وفي أكثرية قاعدتها وفصائلها إسلامية ؟ ذلك لأنهم دعموا التحالف ولكن كانت النتائج معدومة ومخيبة للآمال ، ودعموا المؤتمر الوطني فوجدوا من بدايته تهيمن عليه روح الانفراد  وتصفية الحسابات والاقصاء ات؟ ولنا أن نسأل مرة ثالثة لماذا يتدخل الأثيوبيون ، ذلك  لان لهم مصالحهم ولا يستأذنوا لتحقيقها من أحد ، ولا يريدون التفريط في المسيحيين الذين تربطهم بهم وشائج الدين والقربى على الرغم لدغوهم ، فيمسكون في يدهم الأخرى بالورقة الإسلامية للمساومة فالصراع في ارتريا  وهو صراع ثقافي لا تدعم أثيوبيا جانبه الإسلامي ، ولكنها تضع معادلات الاحتواء وحماية المصالح ، وعمودها الأساسي لحماية مصالحها هو المثقف المسيحي بينما المثقف المسلم  ضائع وتائه  فهو لا يعرف ماذا يريد ؟  وهو لا يستطيع أن يبتعد عن أثيوبيا لأن ذلك يعني له الانتحار ، لأنه  لا يملك المقومات التي يهزم بها النظام بإمكاناته الذاتية  ، ولا يعرف هويته  ولا الثقافة التي يدافع عنها ، وما طرحه أفورقي للمكايدة والتخدير أثناء انعقاد مؤتمر أواسا ظنا منه بأن هؤلاء سيلدون جملا ولكن عندما تأكد  أنهم ولدوا فأرا اختفي  طرحه الذي كان بأن تدرس اللغتان العربية والتجرنية في عموم المدارس الارترية في المراحل الابتدائية حتى السنة الرابعة ، كان هذا الطرح أكثر تقدما مما طرحه المثقف المسلم المعارض في مؤتمر أواسا الذي كان يشرف عليه ،   إن المثقف المسلم ضبابي يعيش في اللون الرمادي ، و يمارس سياسة جلد الذات فيسلخ نفسه بالسوط والخنجر والسيف ، وينظر للماضي ولا يخطط للمستقبل ، وبعد ذلك يريد فرض شروطه على النظام أو المعارضة بشكلها العام  ، ويريد تحقيق المعجزات وهو خالي اليدين من الرؤيا والأهداف  ، وتسير أموره  هكذا دواليك فكيف لا ينهزم وكيف سينتصر؟